عام كامل و أنا أنتظره ، أخشاه ، أراه قادماً .. أراوغ ، أحاول الهرب و لكنه باغتنى و أتى ....اليوم
بعدت ولادتى فى الزمن تلاتين سنة
صبحت تاريخ زى السيوف و السقايين
زى الشراكسة و الشموع و السلطنة
زى الخيول .. ضاعت سنينى فى السنين
صلاح جاهين
جاء اليوم الذى أحسبه نقطة منتصف العمر مباغتاً ، حاملاً أسئلة عدة : مباشرة ، عميقة ، عصية على الإجابة ، أسئلة تأتى فى لحظة زمنية أبدأ بعدها العد تنازلياً ، أى تنازلات من الآن تبدو غير قابلة للإسترداد ، مجانية...
جاء اليوم حاملاً معه أسئلته قاذفاً بى فى دوائـر تتنازعنى ، تملأنى وجلاً و حيرة ، قلقاً تخرج من رحمه متتاليات نفسية قاسية ، أحاول ان أغوص فى بعض دوائرى علنى أسبر بعض أغوارى و أغوراها...
دائرة أولى : وجع البعاد
" ولا هد قلبى العليل غيرك..غيرك يا وجع البعاد"
دائرة تزداد ضيقاً فى كل يوم ، تعتصرنى داخلها ، دائرة "وجع" إبتعد فيها أحباب و غابوا للأبد تاركين أثر هو الأعمق على الإطلاق ،غابوا تاركين شجناً لا ينتهى : يتناسخ ويكبر ليملأ جنباتى ، ووجع إبتعاد أحباء أخرين بإرادتهم تاركين لى ألم و أسئلة بلا إجابات ، و"وجع بعاد" أخرين أحبهم : أسرتى ، صديقات و أصدقاء أحبهم كثيراً ، أفتقد وجوههم ، شعورى معهم بذلك الدفء ، بالأمان ...
آه يا وجع البعاد ..
آه يا وجع البعاد ..
يا بعيد عن العين يا ساكن جوا أرواحنا
وجع البعاد فى ليالى الشوق يطوحنا
نحلم نلاقيك لكين الريح يسوحنا
هو إحنا نوحنا غير لما الوجع فينا زاد
آه
آه
آه يا وجع البعاد
ربما يبدو البعاد الأخير مؤقتاً و لكن يبقى الخوف من " اللقا التانى" ، هل حينها ستكون الوجوه و الأهم الأرواح هى ذاتها ، من سيتغير ؟ ، هل ستتلاقى الأرواح لحظتها لتعيد تخليق مشاعر الأمان و الثقة و فرحة اللقيا ؟
أم ستلتقى الأرواح و بينها "صداقة عميقة كالفجوة" ؟
نعم إلتقيت أثناء "البعاد" بأخرين – قليلين للغاية – خلقوا لى قدراً – كبيراً - من الدفء ،أظن سيوجعنى بعادهم حين أعود
تبقى الأسئلة بلا إجابة حتى العودة و التلاقى ( و الفراق !!) ، هل سيبقى دفء الأحضان – أشعر به فى لحظات العودة القصيرة – بعد أن ينقضى البعاد ، أم ستسبب الأحضان ببرودتها "وجع" أشد قسوة من "وجع البعاد"؟
دائرة ثانية : "ليه كل ما أمسك هى تسيب ؟"
أنا أصلى كنت زمان حبييب
و شعـر إيه و غنا و مكاتيب
ليه كل ما أمسك هى تسيب ؟
أتراها مازالت تذكر ؟
و قلت لها بأن الحب ما يصنع بالإنسـان إنسانا
و أن الحب ....
عندما يصبح انسان حقيقة
عندما يبحث فى ظل العيون السود عن عين صديقة
و يراها ......
عندما يحلم بالبيت ، و بالدفء علي مخدع نظرة
و يوارى خوفه فى متكاها
عندما يحلم بالاطفال و النزهة فى إصباح جمعة
عندما تمزج فى عينيه أشواق و دمعة
عندما يشرع انسان لإنسا ن جناحه
و ينا غيه دلالاًً و سماحة
عندما يصبح ما مر من الايام محواً
لم يكن حينا حياة القلب
عندما يصبح كل اللفظ لغواً
غير لفظ الحب
و غمغم الصوت ، وأنبهم
لحني ، فلتسعف الدموع
صلاح عبد الصبور
بقية ما كتبته فى هذه الدائرة صادره الألم ...
صوت وجيه عزيز من بعيد :
أنا جرحى مش حزن و بكا ..
أنا جرحى شئ تانى
..
ليه بتلمونى هو إنت إخترت الغياب
.
.
.
هو اللى فاتنى لدمعتى و القلب نار هو
دائرة ثالثة : قلب الوطن مجروح
يا لولا دقة إيديكى
ما أنطرق بابى
طول عمرى عارى البدن و إنت جلبابى
ياللى سهرتى الليالى يونسك صوتى
متونسة بحس مين يا مصر فى غيابى
أدباتى
أراجوز
نديم صاحبى و خلانى
زجال، مهرج، مركب صوتى فى لسانى
و صحيت لقيتنى أعرفك و إنت عارفانى
دائرة تحوى داخلها كل دوائرى ، لا يمكن لأيهم أن يهدأ دورانها بدون تلك الدائرة ، يبقى الحلم بالوطن متقاطعاً و حاوياً فى نفس الوقت لكل الأحلام ، يبقى الأمل الذى كنا نعبر عنه فى سنوات البراءة بذلك القول الشائع بين المراهقين بأن " نعيش عيشة فل.." ، حلم جماعى حلمناه لشلة مراهقين و ها أنا أراه فى بساطته معبراً عن حلم فردوسي للوطن ، حلم بوطن متقدم حديث حر يحب و يحترم و يحفظ حقوق أبنائه جميعاً بلا تفرقة و يحبه أبناؤه جميعهم ، حلم أتمناه قريب ، أؤمن إنه إن بدأ فى التحقق فسيتحرك متسارعاً مسابقاً للزمن ، و لربما أدرك رؤياه متحققاً قبل وصولى لنقطة النهاية ، و لكن الحلم مراوغ يقف فى طريق تحقيقه سدود..
بينى و بينك سور ورا سور
و أنا لا مارد و لا عصفور
فى إيدى عود رنان و جسور
و صبحت أنا فى العشق مثل
هل سيظهر هذا المارد الذى سيحقق الحلم ؟؟ الذى سيصنع جنتى و جنتنا ؟ أتمنى..
دائرة أخيرة : الأحلام
سؤال .. بسألك إيه أخرة الأحلام
ليلاتى وخدانى فى بحر م الأوهام..
محمد منير
لم أحقق بعد كثير من الأحلام و حتى البسيط منها ، مازلت صغيراً " بتقول علىَ كبير السن .. و أنا فى قلبى ولد كتكوت " و لكن كبرت أحلامى مع السنوات و بقى أهمها: إسهامة بسيطة و لكن حقيقية لخير الوطن و البشر، إسهامة يذكر بعدها البعض أن أحد ما مر من هنا تاركاً أثراً و لو صغير ، لم تتضح بعد ملامح حلمى ، الكبير لى ، و ربما الصغير مقارنة بإنجازات أخرين ، و لكنه حلم إنجاز و لو كلمة صغيرة فى قاموس الحياة
أتت لحظة المنتصف و يوم الميلاد و " العمر فايت بيقول آه " ، تأملت فى دوائرى وجدتها تتقاطع ، تتماس ، تتباعد ، تتمازج ، تتماهى ، تجذبنى فى أطراف شتى ، تجتاحنى أحدهم فى لحظات و تتحول من دائرة إلى دوامة تكاد تغرقنى لتجذبنى دائرة أخرى و هكذا دواليك.
حاولت قراءة تاريخى ، لحظاته المؤلمة ، نجاحاته ، إنجازاته ، كيف تغيرت رؤيتى لذاتى ، قدراتى ، أحلامى ، قناعاتى ، مواقفى ، مشاعرى : ربما وحدها لم تتغير كثيراً فمازال هناك طفل صغير بداخلى ممسكاً بتلابيبها ، رافضاً التنازل عن بساطة و براءة و صدق و حب ، ينازله أحياناً كثيرة " كبير بالغ" يعرف الغضب و ربما الكراهية ، قادر أن يراوغ ، أن يناور ، أن يضرب . ربما يبدو فى لحظات أن النزال خرج منه "الطفل" مهزوماً و أن "البالغ" هو من إنتصر و لكن حين يجلسان سوياً .. وحيدين ، يبكى "البالغ" على أكتاف "الطفل"... ما أحلى الرجوع إليه.. . ربما يوماً ما حين أكتب سأستعير ذلك العنوان الذى إستعمله الدكتور يوسف إدريس " من طفل فى الخمسين " ...الخمسين .. يا للهول